
حلٌّ وزاري يُنهي سجال ترقيات التعليم العالي
في لقاءٍ جمع بين مطالب نقابية حارقة واعتباراتٍ إداريةٍ متحفظة، تبلورت صورةُ معركةٍ جديدة حول مستقبل التعليم العالي، لا على منصة البرلمان هذه المرة، بل في دهاليز الاجتماعات الإدارية بين النقابة الوطنية للتعليم العالي ووزارة التعليم العالي. كان اللقاء محاولةً لفكّ شفرة ملفّ شائك: ملف الترقيات، الذي طالما كان حبيس التأويلات والمساطر.
أعلنت النقابة، بعد اجتماعها بالكاتب العام بالنيابة للوزارة، عن اتفاقٍ يبدو وكأنه انتصارٌ للوضوح على غموض النصوص. فقد قرّرت الوزارة – بحسب الرواية النقابية – تسوية ترقيات سنة 2023 بناءً على محاضر اللجان العلمية للمؤسسات، مع وعدٍ “باستدراك أيّ خلل” حتى لو اختلفت تفسيرات الجامعات للمادة 9 الشهيرة. وكأنّ الإدارة تعترف هنا، ضمناً، بأنّ المرونة في التطبيق أهمُّ من الجمود الحرفي للنص.
أمّا ترقيات 2024، فقد انتقلت المعركة إلى مستوى أعلى، إلى اجتماعٍ ثلاثيٍّ بين وزارات المالية والوظيفة العمومية والتعليم العالي. وخرجت الوزارة بوعدٍ بتعديل المادة 9 نفسها لتكون “واضحةً لا تترك مجالاً للتأويل”، على أن تُعرض الصيغة على النقابة قبل المصادقة. وهي خطوةٌ تشي برغبةٍ في كسب ثقة الشريك الاجتماعي، أو ربّما في نزع فتيل أزمةٍ محتملة قبل استفحالها.
ولم تكن ملفاتُ الخلاف مقتصرةً على الترقيات وحدها. فبخصوص مرسوم رفع الاستثناء عن حاملي الدكتوراه الفرنسية، جاء الردُّ الوزاريّ مرفقاً بورقةٍ تقنيةٍ و”موافقة مبدئية” من وزارة المالية، لكن من دون تحديد تاريخ للتفعيل. مفاوضةٌ على أرضية الأرقام، حيثُ تسبقُ الحساباتُ الماليةُ القرارَ الإداريّ، وتُرجئ المواعيدَ وفق أولويات الميزانية.
وفي ملفّ الأقدمية العامة، تكرّر النمط نفسه: تكلفةٌ ماليةٌ تُحسَبُ بناءً على سيناريوهات، وورقةٌ تقنيةٌ داعمة قيد الإعداد. فاللغة السائدة هي لغة الأرقام، التي تُترجم المطالبَ الحقوقيةَ إلى ما تسمح به حدود الميزانيات.
لكنّ اللافت، رغم هذه التفاصيل التقنية، كان تعليق النقابة الحادّ الذي لم يُخفِ شعوراً بالإحباط. فقد دانت “إغلاق باب الحوار” في ظلّ مشاكل عالقة، وعبّرت عن رفضها القاطع لمشروع القانون الإطار 59.24، معتبرةً إياه مسّاً “في العمق” لمبادئ أساسية و”تراجعاً كبيراً” عن مكتسبات الجامعة المغربية.
وهكذا، يبدو المشهدُ كاملاً: اتفاقٌ تقنيٌّ على ملفاتٍ عملية، يقابله خلافٌ جوهريٌّ على الرؤية والتشريع. فكأنّ الطرفين يتقدمان على جبهتين متوازيتين: جبهة المعاملات اليومية حيثُ تكون المساومة ممكنة، وجبهة المبادئ والمستقبل حيثُ يبدو اللقاء بعيداً. فهل تكون هذه التسويات الفنية جسراً لحوارٍ أوسع، أم مجرّد هدنةٍ مؤقتةٍ تسبقُ معاركَ أكبر؟
