وزير التعليم العالي يرفض “إغراق” مشروع القانون بتفصيلات بديهية

وزير التعليم العالي يرفض “إغراق” مشروع القانون بتفصيلات بديهية

حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

في جلسةٍ جمعت بين فقه القانون وفنّ السياسة، وقفَ وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عزّ الدين ميداوي، أمام سيلٍ من مقترحات التعديل، ليُفرِّقَ بين ما هو جوهريٌّ يُبنى عليه المستقبل، وما هو تحصيل حاصلٍ يُثقِلُ النصَّ ويُضعفُ مرونته. كانت المعركة، في جوهرها، على فلسفة التشريع: هل يظلُّ القانونُ إطاراً مرناً يُوجِّهُ ويُرسي المبادئ، أم يتحوّلُ إلى دليلٍ تفصيليٍّ يُكرِّرُ ما هو مُنجَزٌ في دساتير وقوانين أُخرى؟

جاءت حيثياتُ الرفضِ واضحةً من الوزير: “لا نريد إغراق المشروع بتفصيلاتٍ تُعيدُ ذكرَ مسلّماتٍ وطنيةٍ ودستوريةٍ”. فالمسائلُ الكُبرى، كدور الدولة في ضمان الحقّ في التعليم، والالتزام بالثوابت، وضمان الجودة، هي – بحسب رأي الحكومة – “بديهياتٌ” لا تحتاجُ إلى إعادة تنصيصٍ، طالما أنّ الدستور والقانون الإطار رقم 51.17 قد أفردا لها مكاناً.

رفضُ تحديد الآجال الجامدة

لكنّ الخلافَ لم يكنْ على المبادئ الكُبرى وحدها، بل امتدَّ إلى فلسفة التنزيل والآجال. فرفضت الحكومة تحديدَ مهلة 18 شهراً لوضع المخطط المديري، وتحيينه كلَّ خمس سنوات. كان التعليلُ عملياً وواقعياً: “ما بغيناش نزيّرو راسنا بتواريخ محددة… دكشي خاصو يكون وقتما جابتو الوقت”. كأنّما التشريع هنا يُريد أن يتركَ للخبرة الإدارية والسياق الزمني مساحةَ المناورة، بعيداً عن قيودٍ قد لا تلائمُ سرعةَ التحوّلات.

الجامعة والمحيط: رفضُ عزلِ العامّ عن الخاصّ

وفي قضيةٍ أخرى تمسُّ رؤيةَ العلاقة بين الدولة والمجتمع، رفضت الوزارةُ فكرةَ حذف “التعاضد في الموارد بين القطاعين العام والخاص”. كانت الحجّةُ مبنيةً على درسٍ من الواقع: “الشراكة مع المؤسسات الخاصة مكّنت الجامعات من استوديوهاتٍ ومعدّاتٍ، خاصةً بعد الجائحة”. فالخيارُ، من منظور الحكومة، هو فتحُ النوافذ لا إغلاقُها، وربطُ الجامعة بمحيطها الاقتصادي كشرطٍ للجودة والاستجابة.

وحتى في مسألةٍ حساسةٍ مثل “مجانية التعليم العالي”، رأت الحكومة أنَّ النصَّ عليها في هذا القانون هو “تكرارٌ لا معنى له”، لأنّ القانون الإطارَ قد كفلَها أصلاً، وهي مبدأٌ “لا يحتمل أيَّ تنصّل”. فالرفضُ هنا ليس للمبدأ، بل لما يُعتبرُ حشواً تشريعياً.

خلاصةُ الجدل: أرقامٌ ومواقف

لم تكن الجلسةُ سجالاً نظرياً فحسب، بل كانت أرقامُ التعديلات المقدَّمة شاهداً على حجم السجال: 66 تعديلاً للحَرَكَة، 54 للعدالة والتنمية، 28 للاشتراكي – المعارضة، 35 لنائبة غير منتمية، و112 لنائبةٍ أخرى. في المقابل، لم تتجاوز تعديلاتُ الأغلبية 61 تعديلاً. أرقامٌ تُترجِمُ هوّةً في الرؤية، وربما في الثقة، بين من يرى في القانون منطلقاً لمرحلة جديدة، ومن يخشى أن يتركَ النصُّ فجواتٍ قد تُفرَّغُ المبادئ من مضمونها.

وهكذا، يظلُّ المشروعُ على طاولة اللجنة، يحملُ معهُ إشكاليةً كبرى: كيف نكتبُ قانوناً يحملُ رؤيةً مستقبليةً دون أن نربطَهُ بتفصيلات الماضي؟ وكيف نوفِّقُ بين مرونة التنزيل وضمانِ الحقوق؟ أسئلةٌ سيكون مصيرُ التعديلات باباً للإجابة عنها.