
التقرير التقني: كيف صمد ملعب الرباط أمام الأمطار الغزيرة؟ منظومة هندسية متكاملة
الرباط – في ليلة التساقطات المطرية الاستثنائية التي سبقت المباراة الافتتاحية، تحوّل الاهتمام من توقعات الأداء الفني للفرق إلى اختبار جاهزية المنشأة نفسها. ملعب الأمير مولاي عبد الله خرج من هذا الاختبار بنجاح تقني مبهر، بفضل منظومة تصريف مياه متطورة تعتمد على فلسفة هندسية متعددة الطبقات.
التصميم متعدد الطبقات: هندسة التصريف من السطح إلى العمق
يعتمد نجاح النظام على مبدأ هندسي واضح: منع تشبع منطقة جذور العشب بالماء. وهذا ما تحققه الطبقات التالية، المرتبة من السطح إلى الأسفل:
-
السطح (Surface Layer): عشب هجين (Natural-Hybrid Grass) مدعوم بألياف تركيبية (عادةً البولي إيثيلين) بنسبة 3-5%. تكمن مهمته في تثبيت الطبقة العليا مع السماح بنفاذية فورية للمياه تزيد عن 300 ملم/ساعة.
-
منطقة الجذور (Sand Rootzone): طبقة من الرمل المُصنّع الخالص، بسمك 30 سم تقريبًا. خالي من الطمي والطين لضمان أعلى معدل للنفاذية (Permeability) ومنع التشبع.
-
طبقة الانتقال (Transition Layer): حبيبات خفيفة (مثل البيرلايت) تفصل بين الرمل وطبقة الصرف الخشنة، لمنع اختلاط المواد.
-
طبقة الصرف الرئيسية (Drainage Layer): شبكة من الأنابيب البلاستيكية المثقبة (Perforated Pipes) قطر 110 ملم، موضوعة داخل فرش من الحصى النظيف. مركبة بتصميم “أفعواني” أو متوازي بميل هندسي لا يقل عن 0.7%لضمان الجريان بالجاذبية.
-
القاعدة التحتية (Sub-base): طبقة حصوية مساندة للإنشاء، تسمح بتدفق المياه أفقيًا نحو نقاط التجميع.
آلية العمل: التصريف الفراغي المعزّز (Vacuum-Assisted Drainage)
ما يميز المنظومة في الرباط دمجها بين التصريف السلبي بالجاذبية والنشط بالتفريغ. حيث يتم تعزيزها غالبًا بـ نظام SubAirأو ما يماثله، والذي يعمل على مبدأين:
-
وضع التصريف (Drain Mode): عند هطول الأمطار، تعمل مضخات تفريغ مركزية على سحب الهواء والماء من الأنابيب المثقبة تحت أرضية الملعب. هذا التفريغ يخلق ضغطًا سالبًا يسحب الرطوبة الزائدة من طبقة الجذور لأسفل بشكل قسري ومتسارع، بعيدًا عن قوة الجاذبية وحدها.
-
وضع التهوية (Vent Mode): في الظروف الجافة، يعكس النظام العملية ليدفع الهواء النقي إلى منطقة الجذور، مما يمنع انضغاط التربة ويساعد على نمو العشب.
المعايير والأرقام: أداء قياسي في زمن قياسي
يقاس أداء أنظمة تصريف الملاعب الراقية بمعيارين رئيسيين:
-
معدل التصريف (Drainage Rate): يتجاوز النظام في الملعب معيار الـ 30 ملم/ساعة المطلوب من قبل الفيفا للملاعب ذات التصنيف الأعلى. تشير التقديرات الأولية إلى قدرته على تصريف ما يتراوح بين 20 إلى 30 لترًا من المياه لكل متر مربع في الساعة.
-
زمن العودة للّعب (Playability Recovery Time): بعد هطول مطري كثيف، يمكن للملعب استعادة جاهزيته الكاملة للمباراة في غضون 30 إلى 45 دقيقة فقط، وهو رقم استثنائي.
الصيانة الوقائية والمراقبة: النظام العصبي للملعب
لا يعمل النظام بمعزل عن المراقبة المستمرة:
-
مجسات تحت السطح (Sub-surface Sensors): تراقب بشكل حيوي مستويات الرطوبة ودرجة الحرارة وملوحة التربة، وتُرسل البيانات إلى نظام مركزي.
-
نظام التحكم المركزي (Central Control System): يمكن للمشغلين مراقبة أداء النظام وإدارة المضخات يدويًا أو آليًا بناءً على قراءات المجسات وتوقعات الطقس.
استثمار في الجاهزية الدائمة
لم يكن أداء الملعب محض صدفة، بل نتاج استثمار تقني موجه لتحقيق جاهزية قصوى بغض النظر عن الظروف المناخية. هذا التصميم لا يحافظ فقط على سلامة اللاعبين واستمرارية المباريات، بل يطيل بشكل كبير من العمر الافتراضي للعشب ويقلل من تكاليف الصيانة الدورية على المدى الطويل.
يضع هذا الإنجاز ملعب الأمير مولاي عبد الله في مصاف المنشآت الرياضية القادرة على استضافة أكبر الأحداث تحت أي ظرف، معززًا بذلك موقعه كمرشح قوي لاستضافة مباريات في بطولات العالم.
