جدل حول ‘مجلس الأمناء’ في قانون التعليم العالي الجديد

جدل حول ‘مجلس الأمناء’ في قانون التعليم العالي الجديد

حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

بين فقه التنظيم الجامعي وفلسفة الحوكمة، احتدم الجدل في مجلس النواب حول مفهوم “مجلس الأمناء”، وهو الهيئة التي استحدثها مشروع قانون التعليم العالي والبحث العلمي، لتتحول إلى محكٍّ رئيسي يختبر رؤية الدولة للجامعة المغربية الحديثة: أهي قلعة أكاديمية منغلقة، أم مؤسسة متجذرة في محيطها الاجتماعي والاقتصادي؟

تحذيرات من “وصاية” تهدد استقلال الجامعة.

انطلقت أصوات رافضة، متحفّظة على الفكرة من أساسها. إذ رأت فيها النائبة نبيلة منيب “إطاراً يتناقض مع استقلالية الجامعة وديمقراطيتها”، مقترحةً تعويضه بـ “مجلس أكاديمي استراتيجي منتخَب” يضمّ الفاعلين الجامعيين الحقيقيين. وامتدّت الشكوك لتصبح تحذيراً واضحاً من فاطمة التامني، التي رأت في المجلس “توجّهاً نحو الوصاية”، مؤكدةً أن “الوصاية والديمقراطية خطان لا يلتقيان”.

ودعم هذا التوجّه فريق التقدم والاشتراكية، مطالباً بحذف المجلس وكافة المواد المرتبطة به من المشروع، في موقفٍ يرفض أي شكلٍ يُخشى أن يمسّ بالاستقلال الأكاديمي.

موقف القبول المشروط: تعديلات تقنية لضمان التكامل مع المحيط.

في المقابل، سارعت فرق الأغلبية إلى سحب تعديلاتها التي كانت قد تقدمت بها بخصوص المجلس، في خطوةٍ بدت وكأنها إجماعٌ على مبدأ الفكرة، ريثما يتم البتّ في تفاصيلها. واتخذت المجموعة النيابية للعدالة والتنمية موقفاً وسطاً، إذ قبلت بالفلسفة العامة ولكن مع تعديلات تقنية؛ داعيةً إلى جعل المجلس “جهوياً” لا “حامياً” لكل جامعة، حتى لا يتنازع مع مجلس المؤسسة، ومطالبةً بأن تضمّ تركيبتُه ممثلي مؤسسات دستورية لتعزيز شرعيته.

دفاع الحكومة: الجامعة ملك للعموم وليست حكراً على الأكاديميين

وقف وزير التعليم العالي، عز الدين ميداوي، ليشرح المنطق الحكومي من وراء هذه الهيئة الجديدة. جاء رده حاسماً: “الجامعة ملك للعموم وليست للأساتذة فقط”. وأوضح أن الهدف ليس إقامة “وصاية” أو سحب صلاحيات، بل “فتح نوافذ” الجامعة على محيطها.

وحاول الوزير تبديد المخاوف، مؤكداً أن “مجلس الأمناء لا علاقة له باستقلالية الجامعة”، مذكّراً بأن الصلاحيات التقريرية ستبقى بيد مجلس الجامعة المنتخب. وبدا المجلس، في تصوّره، كحلقة وصل بين الحاجة الأكاديمية ومتطلبات التنمية الجهوية، وهو “جهوي” ليتجاوز الاحتياجات الضيقة لكل مؤسسة على حدة.

التفاصيل القانونية: من سيكون في مجلس الأمناء؟

نصّت المادة 42 من المشروع على تركيبة المجلس، التي تجمع بين ممثلي السلطات الحكومية (التعليم العالي، التربية الوطنية، المالية، التشغيل) وأمين سر أكاديمية المملكة ووالي الجهة، إضافة إلى رؤساء مجالس الجهات المعنية ورؤساء الجامعات. كما تشمل شخصيتين من المحيط الاقتصادي والاجتماعي، وشخصيتين من الخبراء، وعضوين منتخَبَين يمثلان الهيئة التدريسية والأطر الإدارية.

وتكلفه المادة 46 بـ “تنسيق الجهود لتطوير الجامعة على الصعيد الجهوي” و”ملاءمة عروض التكوين والبحث مع متطلبات التنمية”، في إشارةٍ واضحة إلى ربط مخرجات العلم بحاجيات المجتمع والسوق.

خلاصة السجال: صراع نموذجين

هكذا، يتحوّل النقاش حول “مجلس الأمناء” من جدل تقني إلى صراع بين نموذجين:

  • نموذج يراهن على الانفتاح: حيث الجامعة ليست برجاً عاجياً، بل محركاً للتنمية، يحتاج إلى تنسيق مع كل الفاعلين الرسميين والاقتصاديين في جهتها.

  • نموذج يخشى على الاستقلال: يرى في أي تمثيل خارجي للهيئات الرسمية أو الاقتصادية “باباً للوصاية” و”تآكلاً للديمقراطية الداخلية”.

وتبقى الإشكالية قائمة: كيف نصنع جامعة منفتحة ومفيدة لمحيطها، دون أن نفقد جوهرها الأكاديمي الحرّ واستقلاليتها العلمية؟ سؤالٌ ستجيب عنه اللجنة البرلمانية، ليس فقط بتصويتها، بل بما ستفرضه من ضماناتٍ تحمي الجامعة من أن تتحول من “مَعْقِل للفكر” إلى “أداة في يد محيطها”.