
حين تُصبح الكفاءة فعلًا مُريبًا
هل يمكن أن يكون “النظام” والاحترافية نفسها جريمةً في حق صورة قارة؟ هذا السؤال يفرض نفسه بقوة في خضم الاستضافة المغربية الناجحة لكأس أمم أفريقيا 2025، والتي شهدت حتى الآن إقبالاً جماهيرياً قياسياً وتنظيماً محكماً. وسط هذه الأجواء الاحتفالية، يصرّ المدرب البلجيكي هوغو بروس على ترديد شكواه المُفاجئة: “غابت الأجواء الأفريقية”. فهل يخبرنا بروس عن مُلاحظة فنية بريئة، أم أن خطابه يُخفي رفضاً أعمق لهذا النموذج التنظيمي الناجح؟
لم تأتِ شكوى بروس من فراغ، وهي التي أطلقها قبل أيام فقط. فهي الحلقة الأحدث في مسلسل “حرب صامتة” تشنُّها ألسنة بعض المدربين الأوروبيين ضد وليد الركراكي والنموذج المغربي. هذه الحرب لا تدور حول مبارياتٍ فقط، بل هي معركة على هوية الكرة الأفريقية، بين مَن يُحبسُها في صورة نمطية قديمة ومَن يدفع بها نحو آفاق العالمية.
الشُفرة النمطية: عندما يغيب الاحتفاء العفوي “المعتاد”
وصف بروس “أجواء” المغرب بأنها “باردة” وليست كما “اعتاد” رؤيتها في دورات سابقة بالغابون أو كوت ديفوار، حيث كانت الجماهير – حسب زعمه – تَلُوح وتُحيِّي الفرق بحماسٍ عشوائي في الشوارع. لكن هذا الوصف يُصطدم فورًا بواقعٍ رقمي صَلب: البطولة الجارية تُسجِّل أعلى نسبة إقبالٍ جماهيري في تاريخها، مع استقبالٍ حارٍّ للمنتخبات الشقيقة وملاعب مُمتلئة بالأعلام والأناشيد في مدن الرباط وأكادير وفاس.
إذن، الفجوة ليست في الحضور أو الحماس، بل في نوعية الأجواء المُتوقَّعة. يبدو أن التصوُّر الاستعماري القديم، الذي حلَّلَه إدوارد سعيد في كتابه “الاستشراق”، ما زال يرسم لأفريقيا صورة “الآخر”: مكانٌ للعواطف الخام والعفوية غير المنضبطة. وعندما يجد بروس أمامه تنظيمًا محكمًا، وبنيةً تحتية عالمية، وجماهيرَ محتفيةً لكن ضمن أُطُر واضحة، يشعر بارتباك. لقد واجه “أفريقيا” لا تتطابق مع الصورة النمطية المخزونة في ذهنه. شكواه، في جوهرها، ليست من نقص الروح الجماهيرية، بل من تَمزُّق الصورة النمطية المريحة التي ترى في القارة فضاءً للعفوية فقط، لا للكفاءة التي تُنافس المعايير العالمية التي يقدمها المغرب اليوم.
درس في التدريب أم صفعة للكِبرياء الأوروبي؟
لا ينفصل هجوم بروس على التنظيم عن هجومٍ آخر شخصي أكثر حِدَّة. فبعد إقصاء منتخبه للمغرب في نسخة 2023، لم يتمالك المدرب البلجيكي نفسه، متحوِّلًا من فائزٍ إلى “مُعلِّم”. لقد وجَّه للركراكي، من على منبر المؤتمر الصحفي، “دروسًا مجانية” في التدريب، مُتطاولًا على أسلوبه وخياراته الفنية.
هذا التصرُّف لم يكُن زلَّة لسان، بل كان خَرقًا صارخًا لكل أعراف المهنة غير المكتوبة، التي تَحرُم على المدرب تقييم أداء مدرب الفريق المنافس بهذه الطريقة المباشرة والمهينة. الأكثر دلالةً أن هذا الهجوم الشخصي لم يكُن فرديًا، بل وجد صدًى عند مدرب بلجيكي آخر هو إريك سانتفيت (مدرب مالي). هذا التزامن يُثير سؤالًا: لماذا يستهدف اثنان من المدربين الأوروبيين العاملين في أفريقيا مدربًا محليًا بهذه الشراسة؟
الجواب يكمن في الرمز الذي يمثِّله الركراكي. فهو ليس مدربًا ناجحًا فحسب، بل هو القائد الذي أوصل منتخبًا أفريقيًا (المغرب) إلى المركز الرابع في كأس العالم 2022، محطمًا مقولة “المُفاجأة العابرة”. قفزته التاريخية تمثِّل كسرًا لاحتكار الخبرة الفنية العليا الذي مارسته لعقود مراكز القوة الكروية التقليدية. نجاحه يقول: أفريقيا قادرة على إنتاج قياداتها ونجومها، دون حاجة دائمة إلى “المنقذ” الأوروبي. هجوم بروس وسانتفيت هو، في جزء كبير منه، ردُّ فعل على هذه الصفعة للكِبرياء، ومحاولة يائسة لاستعادة السيطرة على السردية عبر تقويض شرعية النجاح ذاته.
معركة الرواية: أيَّة أفريقيا نريد؟
في النهاية، يكشف خطاب بروس عن معركة أوسع هي معركة السردية والهوية. ماذا نعني بـ”أفريقيا”؟ هل نعني تلك الصورة الثابتة، المحبوسة في الفولكلور والحماس الخام، والتي تُريح الناظر من الخارج؟ أم نعني القارة الحية المتعددة، القادرة على التميُّز بتنظيمها كما بفنونها، بقياداتها المحلية كما بمواهبها العالمية؟
ما يقوم به هوغو بروس وأمثاله هو محاولة لفرض الرواية الأولى. لكن الواقع الذي يصنعه المغرب حاليًا تحت قيادة الركراكي، بدعم جماهيري عارم في كل مباراة من مباريات “الكان” الجارية، يكتُب فصولًا جديدة للرواية الثانية: رواية الثقة، والاستقلالية، والقدرة على المنافسة في أعلى المستويات وبمعاييرنا الخاصة.
لذلك، فإن دعمنا للمنتخب الوطني في هذه المرحلة المصيرية من البطولة هو أكثر من تشجيع رياضي. إنه وقوفٌ عمليٌّ مع سرديتنا. كل تصفيقة في الملعب، وكل رسالة دعم، هي صوت يرفض الوصاية ويثق في الطريق. إنهم هناك في الميدان، يخوضون غمار دور المجموعات وهم متطلعون لما بعده، يُدافعون عن ألوان الوطن، وعلينا نحن هُنا أن نكون خلفهم قلبًا واحدًا. لأن الانتصار في هذه المعركة، رياضيًّا وثقافيًّا، سيكون إعلانًا للعالم أن أفريقيا الجديدة تُكتب فصولها الآن، وأبناؤها هم من يمسكون بالقلم.
