
ياسين بونو… الاسم الذي يحسم المباريات الكبرى
في كرة القدم، كما في الحياة، هناك من يصنع مجده بالصخب، وهناك من يراكمه في صمتٍ ثقيل. من الفئة الثانية يخرج ياسين بونو، حارسٌ لم يجعل من المرمى موقعًا دفاعيًا فقط، بل امتحانًا دائمًا للثبات، ومكانًا تُحسم فيه المباريات حين تضيق الهوامش.
لم تبدأ الحكاية من منصات التتويج ولا من عناوين الصحف. طفل وُلد في مونتريال سنة 1991، عاد مبكرًا إلى الدار البيضاء، ليكبر كرويًا داخل مدرسة الوداد الرياضي، حيث يُصقل الصبر قبل الموهبة. وفي سنة 2011، جاءت اللحظة التي لا تُخطَّط: نهائي دوري أبطال إفريقيا أمام الترجي التونسي، إصابة الحارس الأساسي نادر المياغري، واستدعاء بديل شاب وجد نفسه فجأة في قلب مباراة لا تقبل الخطأ. لم تكن فرصة للظهور بقدر ما كانت امتحانًا قاريًا مبكرًا، أجاب عنه بونو بهدوء لافت، في أول احتكاك حقيقي مع معنى المسؤولية الكبرى.
إسبانيا… حين يتحوّل الثبات إلى اعتراف
في إسبانيا، لم يحتج بونو إلى خطاب تعريفي طويل. جائزة «زامورا» كأقل الحراس استقبالًا للأهداف في «الليغا» كانت كافية لتثبيت الاسم، وجعلته أول حارس عربي وإفريقي يدخل سجلها، بعد تفوقه في سباق مباشر مع أسماء من العيار الثقيل مثل يان أوبلاك، تيبو كورتوا و مارك أندريه تير شتيغن.
خلف هذا التتويج، مسار طويل من التفاصيل الصامتة: 557 دقيقة دون أن تهتز شباكه مع إشبيلية في موسم 2020–2021، رقم قياسي للنادي، ثم هدف تعادل في الدقيقة الأخيرة أمام بلد الوليد، جعله أول حارس في تاريخ إشبيلية يسجّل في الدوري الإسباني. لحظات صغيرة، لكنها تختصر شخصية لاعب لا يكتفي بالدور التقليدي.
ومع إشبيلية، تحوّل بونو إلى عنصر حاسم في ليالي الدوري الأوروبي، حيث تُقاس الأعصاب قبل المهارات. في تتويج 2019–2020، لم يكن تفصيلًا عابرًا، بل أحد مفاتيح اللقب: تصدٍّ لركلة جزاء حاسمة أمام ولفرهامبتون، صلابة أمام مانشستر يونايتد، ولمسة أخيرة في النهائي ضد إنتر ميلان. بطولة حُسمت على إيقاع الهدوء.
سيّد اللحظة… في المونديال
في كأس العالم 2022، لم يكن ما حققه المغرب صدفة ولا انفجارًا ظرفيًا. كان نتاج منظومة ناضجة، وكان بونو أحد أعمدتها الأساسية. أمام إسبانيا في ثمن النهائي، تحوّل إلى العنوان الأبرز، بتصديه لركلتي ترجيح أعادتا تعريف دور الحارس في المباريات الكبرى، واضعًا “أسود الأطلس” على سكة أفضل إنجاز إفريقي في تاريخ المونديال. هناك، لم يلمع بالصوت العالي، بل بالحسم حين بلغت المباراة أقصى درجات التوتر.
المحطة الأحدث… نصف النهائي القاري
وبالهدوء نفسه، وصل بونو إلى أحدث محطاته. ففي نصف نهائي كأس أمم إفريقيا أمام نيجيريا، خاض المنتخب المغربي مباراة ثقيلة الإيقاع، قليلة الفرص، انزلقت سريعًا إلى اختبار أعصاب خالص. خلال دقائقها الطويلة، بدا بونو متحكمًا في التفاصيل الصغيرة: قراءة دقيقة للكرات العالية، خروج محسوب، وتركيز ثابت أبقى المنتخب داخل المواجهة في فترات تفوق بدني واضح للخصم.
وحين وصلت المباراة إلى ركلات الترجيح، لم يحتج إلى تقديم نفسه. بخطوات محسوبة وبرودة أعصاب لافتة، تصدّى لمحاولتين حاسمتين، مُجهزًا على أعصاب المنافس، ومانحًا المغرب بطاقة العبور إلى النهائي. لحظة لم تحتج احتفالًا بقدر ما احتاجت حارسًا يعرف كيف يُنهي القصة عند سطرها الأخير.
موعد لا يقبل الغياب
بهذا الحسم، يصل بونو إلى موعد جديد لا يقبل الغياب: نهائي كأس أمم إفريقيا، المقرر يوم الأحد المقبل. محطة أخرى في مسار حارس اعتاد أن يكون حاضرًا حين تضيق المباريات، وأن يختصر الطريق إلى الإنجاز بلقطة واحدة. لا وعود، ولا خطابات. فقط ثبات في لحظة لا تحتمل الخطأ.
سنوات طويلة وبونو بين نخبة حراس العالم، دون ضجيجٍ يوازي ما قدّم، ودون إنصافٍ يليق بثقل ما صنع. قد لا يكون الأكثر تداولًا في العناوين، لكنه من أولئك الذين يُراكمون المجد بهدوء.
استثناءٌ صامت في زمن الصخب… وحارس تُقاس قيمته باللحظات التي لا تحتمل الخطأ.
